ما صحة حديث (إذا خلا بمحارم الله انتهكها)؟


يقول خبَّاب بن مروان الحمد في مقال كتبه بعنوان 

مبحث قصير في حديث مشهور وبيان ضعفه (إذا خلا بمحارم الله انتهكها).

قبل مدَّة سألني سائل عن صحَّة هذا الحديث ومعناه، إن كان الحديث صحيحاً وهو حديث ثَوْبَانَ-رضي الله عنهَ- :عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :

لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا .. قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ . قَالَ” أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا) أخرجه ابن ماجه.

 

فأجبته:

الحمد لله، وبعد:

فإنَّ حديث: ( لأعلمن أقواما ..)أرى أنَّه ضعيف وفيه نكارة في متنه وسنده!

 

ففي سنده (عيسى بن يونس الرملي) ربما أخطأ كما يقول ابن عدي ولا يُحتمل تفرده بهذه الرواية .

قال الحافظ الناجي في كتابه: ” عجالة الإملاء/ ص 419 “- ( فيه شيخه – يعني شيخ ابن ماجة – عيسى بن يونس الرملي وهو صدوق ربما أخطأ ، وفيه عقبة بن علقمة بن صالح المعافري وهو صدوق – أيضاً – لكن كان ابنه محمد يدخل عليه ما ليس من حديثه).

فيظهر لي أنَّ الحديث منكر، وإن صحَّحه بعض أهل العلم .

ولا يعني ذلك بحال ألا يحذر المرء من الاختلاء بمحارم الله، فالله تعالى يقول:{يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً}

وأما نكارة متنه ففيه أنَّ من خلى بمحارم الله وانتهكها يحبط الله عمله ولو كانت لديه حسنات كجبال تهامة، وهو في المقابل يقوم الليل!

يقوم الليل، وإذا خلا بحرمات الله انتهكها..!!

من قام الليل لله، وتذوَّق حلاوته كيف ينتهك حرمات الله!

ثمَّ إنَّه لو قارف المعصية سراً ولم يُشعها وينشرها بين الملأ، فمن سنَّة الله تعالى أن يستر على عبده المؤمن المختفي بذنبه كما في الحديث الصحيح في البخاري قوله تعالى للعبد المذنب ( أنا سترتها عليك في الدنيا ، وأنا اغفرها لك اليوم ).

وهو ما يتفق وينسجم مع الحديث الثابت في البخاري ومسلم (كل أمتي معافى إلا المجاهرين).

والحقيقة لا شيء يحبط العمل إلا الكفر بالله والردة، والله تعالى يقول:(وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا) وهذا في حق الكفار لا المسلمين، فما بعد الكفر من ذنوب المؤمن لا يحبط الله تعالى حسناتهم.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وأما الحسنات فلا تذهب ثوابها السيئات مطلقا فإن حسنة الإيمان لا تذهب إلا بنقيضها وهو الكفر).

صحيح أن المعاصي تنقص أجره، وتقل ثوابه، لكن الله تعالى يقول (إن الحسنات يذهبن السيئات) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها) أخرجه الترمذي بسند حسن.

وقال صلى الله عليه وسلم عن الصلوات: (أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟) قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: (فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا) أخرجه مسلم.

والعبد عليه أن يخشى ربه من أن يقبض روحه وهو على معصية، أو أن ينتكس قلبه بسببها.

هذا جواب مُختصر؛ بشأن هذا الحديث، والله تعالى أعلم.