ثلاثة أسباب تجعل من إصلاح مشاكل صناعة الإباحية حلاً غير فعالاً لإصلاح مشكلة الإباحية نفسها


 

يميل المجتمع أحيانا إلى النظر إلى أعراض المشكلة بدل أصلها. فعلى سبيل المثال لو كانت سيارتك مهترئة ولا تعمل هل ستقوم بتجديد لون الطلاء من أجل أن تعمل؟ من المؤكد أن جوابك سيكون “لا” لأن ذلك يعد ضرباً من الجنون. لن تفعل ذلك لأن المشكلة أعقد بكثير من تغيير طلاء السيارة وقد تضطر إلى فحصها بالكامل وبدقة من أجل معرفة سبب عدم عملها. نرى نفس ذلك الخطأ عندما يتعلق الأمر بالإباحية، فكثير من الناس يعتقدون أنه بمجرد تعديل المشاكل الظاهرة للإباحية، كالتأكد من أن الممثلين والممثلات يقومون بذلك الأمر طوعاً منهم وليس كرهاً وأنهم يستعملون أدوات الحماية من انتقال الأمراض الجنسية وأنه ليس هنالك استعمال لعقاقير غير قانونية الخ..، فإن جميع المشاكل التي تتعلق بالإباحية ستزول. في المقابل هنالك العديد من المشاكل الأساسية التي تحدث في مصانع الإباحية والتي هي أولى أن يبحث عن حلول لها مثل تجارة الجنس والاستغلال الجنسي لنيل مكاسب مادية، وما تلك إلا أعراض لمشكلة أكبر والتي تكمن في طبيعة الإباحية بحد ذاتها.

 

الإباحية مرتبطة بتجارة الجنس

 

نظراُ للزيادة المستمرة لشعبية الأفلام الإباحية فإن كمية الطلب عليها وصلت إلى أعلى المستويات بالإضافة إلى التضخم الجنوني لسوق الاباحية مما يشكل تحدي كبير في ضبط استوديوهات الإباحية حول العالم. والغالب أن المال هو ما يؤخذ بعين الاعتبار في تلك المصانع بصرف النظر عن الحالة الصحية للمشاهدين أو الممثلين. علاوة على ذلك لنأخذ بعين الاعتبار قول ممثلة إباحية سابقة: “أنا ممثلة منذ 14 سنة في مجال الأفلام الإباحية في مختلف الدول والولايات. تقريبا في كل الأقطار، وقد عملت لمعظم تلك المصانع. وقد كنت من الأوائل الذين كانوا يتعاطون دواءً ‘مرة واحدة في الشهر’ للوقاية من مرض الإيدز سنة 1998.

الحقيقة أن هنالك الكثير من التستر والتعتيم على مثل هذه الأمور وهناك أمور فظيعة تحدث”.

لا يمكن الوثوق بمصانع الإباحية، ولكن الأمر يأخذ منعطفاُ خطيراً عندما يتعلق الأمر بالمتاجرة بالنساء وبيعهن. عدد لا حصر له من النساء تعرضن للخطف والاغتصاب والإكراه على التمثيل في الأفلام الإباحية وهذا باختصار تعريف المتاجرة بالجنس.

 

ولكن ما دخل المشاهد العادي الذي يشاهد الإباحية من منزله؟ في الحقيقة أنه يصعب معرفة ما إن كانت المقاطع قد صُوَرت كرها أو طوعا بإرادة كل الأطراف. وحتى لو كانوا هنالك بإرادتهم يمثلون أمام الكاميرا أوليس من الممكن أن يكونوا قد هددوا و جبروا على ذلك في الكواليس؟ والجدير ذكره أن بمجرد الضغط على أي فيديو إباحي فإننا نشارك في زيادة الطلب على المقاطع الإباحية مما يشجع تجار الجنس الغير الشرعي على استعمال عبيد الجنس الخاصين بهم لإنتاج فيديوهات أكثر. قد يبدو من المنطقي أن نضع شروطاً على صانعي الأفلام الإباحية الرسميين مما يضمن سلامة الممثلين والممثلات ولكن الواقع عكس ذلك. لن نقوم بحماية الإنسانية من هذا الداء إلا عندما نحمي الأطفال والنساء والرجال من الاختطاف والمتاجرة بهم لصناعة الأفلام الإباحية.

 

 

الإباحية تجعل من العنف نوعا من الإثارة الجنسية

 

عامة الناس تنظر إلى مصانع الإباحية وتقول عدم وجود الاحترام اتجاه العاملين في ذلك المجال هو ما يجعل عملهم بتلك الصعوبة. ومن أكثر الحجج الواهية التي نسمعها بأن ممثلي وممثلات الإباحية يأنسون بما يفعلون وإن لم يكونوا كذلك فإنهم ببساطة سيخرجون من ذلك المجال. فبالرغم من كل الشهادات الشخصية و الأبحاث العلمية المكثفة التي تكشف الجوانب السوداء لسوق الإباحية فالبعض ما زالوا على قناعة بأن صانعي الإباحية يعملون على قدم وساق من أجل بناء مجد عظيم وشريف.

 

والحقيقة أن ممثلي الإباحية يعانون من ضغط نفسي، عقلي، وعنف جنسي ولكن غالبيتهم يتحملون ذلك العذاب من أجل المال. فالكثير من المراهقين يتم استدراجهم إلى الإباحية تحت حافز عقود عرض أزياء أو المال الوفير، والسوق الإباحية لا يهمها شيء. والممثلون هم مجرد سلعة تستعمل وتعذب فتستعبد، وترمى في الأنقاض إذا لم يوافقوا على تصوير بعض المشاهد شديدة العنف والإساءة.   

 

جميع مفاهيم الإساءة والعدوان والهيمنة، أو على الأقل جزء منها، تفشت في المجتمع عن طريق الأفلام الإباحية. فمنذ سنين قليلة قام فريق من الباحثين بدراسة أفضل الأفلام الإباحية وأكثرها شراء واستئجارا. بعدها قاموا بتحليل 50 فلماً اختيروا بطريقة عشوائية تبين من تلك القائمة أنه من أصل 304 مشهد 88% منها احتوت على اعتداء جسدي و49% على اعتداء لفظي بمعدل 12 اعتداء لفظي أو جسدي في كل مشهد. وعلاوة على ذلك فمعظم المشاهد هي فيديوهات مركبة من لقطات متعددة صورت وركبت وحصرت في فيديو واحد.

 

في مقابلة مع واحدة من أشهر نجوم الإباحية تكلمت الأخيرة عن مدى تزايد اللهفة لاستعمال العنف والاستبداد في الإباحية ومدى الضرر الذي تلحقه في ممثلات الإباحية الهاويات اللواتي يلزمن على التمثيل في مشاهد خارجة عن المعقول حتى يحصلن على عمل دائم. ممثلة سابقة كانت أكثر الأسماء بحثاُ عنها في أشهر مواقع الإباحية آنذاك غادرت عملها في 2014 وبدأت بتوعية المجتمع حول مخاطر الإباحية وهي من الشاهدين على ميلان منتجي الأفلام الجنسية إلى إضفاء الطابع العنيف في الفيديوهات الجنسية. وفي مقابلة مع مجلة  The Guardian صرحت عن الصعوبات التي يواجهها بعض ممثلي الإباحية بعد مغادرتهم عالم الإباحية لأسباب عادة ما تكون متعلقة برفضهم تمثيل المشاهد العنيفة و استعمال المخدرات فقالت:

” مضت على لحظات في التمثيل أين قلت لنفسي فيها ‘الوضع الذي أنا فيه ليس جيدا أبدا. لست في مأمن هنا. هذه الفتاة ليست واعية لما تفعله ولست مطمئنة لما ستقوله عندما ستخرج من هنا'” وأضافت:” الكل هنا عبارة عن قنبلة مؤقتة وكل هذا بسبب المخدرات. فمعظم الألم الذي تواجهه تلك الفتيات الجديدات سببه هو تلك المشاهد المهينة التي هن مجبرات على تمثيلها، وكامرأة فأنا أعلم كيف يدمر هذا تلك الفتيات”

 

الأمر لا يقتصر على الاعتداء اللفظي والجنسي وتصوير استعباد المرأة فقط ولكن عندما يشاهد الإنسان مقاطع فيها المرأة تمارس الرذيلة وتنفذ أي طلب يطلب من الرجل مهما كان شاذاُ فإن ذلك يمهد الأرضية لقبول العنف اللفظي والجسدي.

 

والمصيبة هي أن تتغير نظرة الإنسان تجاه الجنس ويصبح العنف والممارسات الشاذة هي الذوق العام والمتعة بسبب المشاهدة المستمرة لتلك الأفلام الإباحية. فمنتجو الأخيرة يصرون على أن العنف عامل مثير جنسيا وأن الجميع يرغب باستعمال العنف حتى وإن رفضوا في البداية. فالواضح في هذه المشكلة أن الممثلين والممثلات لا يتم معاملتهم بصورة حسنة . وان كانت بعض الممثلات يغادرن مصانع الإباحية عندما يجبرن على تصوير مشاهد عنف فالمشكلة الحقيقية هي أن تحريض مصانع الإباحية على استعمال العنف كعامل مثير جنسيا لازالت موجودة ولم تحل. وان كانت الأفلام تنتج من أجل الإثارة والمتعة ولكنها تفسد الذوق العام تجاه ما هو الجنس الصحي.

 

 

الإباحية تفسد الذوق الجنسي العام

 

كثير من داعمي الإباحية يدَعون بأن استعمال العنف في الجنس هو اختيار شخصي وليس لأحد الحق في التدخل به، ورغم أننا لسنا هنا للقبض عليهم ولكننا نريد أن نبين الضرر الذي سيحدث للإنسان بعد التعرض المستمر لتلك المشاهد وللتنبيه بالأثر المدمن نحو تلك المواد المهينة رِؤيتها.

لنفكر فيها من هذه الناحية أكثر المفردات التي تستعمل للبحث هي مفردات خارجة عن المعقول و منحرفة وخارجة عن ما هو طبيعي وصحي، بل و عن ما هو قانوني مثل “اغتصاب العصابات” ، “إهانة المراهقات” ، “زنا المحارم”،  وبعض تلك المفردات دائما ما تتصدر قائمة أكثر أنواع أفلام الإباحية و السؤال المطروح هنا، ما مدى تورط مجتمعاتنا في هذا الأمر؟

 

لنفكر ملياً لو سلمنا بأن تلك الأمور أمر شخصي ما هو الممكن أن يحدث لمجتمع تكون فيه مشاهدات أفلام الاغتصاب وزنا المحارم متصدرة أعلى المشاهدات، أليس من الممكن أن يخرج المشاهد من حيز المشاهدة إلى حيز الفعل ويغتصب ويزني بأقاربه، الأسرة تعتبر هي الملاذ الآمن للإنسان كيف سيكون ذلك إن كان أفراد الأسرة على خوف من أن يلحق بهم سوء من أحد أقاربهم. وما يدعو للتساؤل أكثر هو سبب التدرج في مشاهدة الإباحية فما هو الشيء الذي يجعل الإنسان مشدودا باستمرار إلى مشاهدة تلك المشاهد الشنيعة؟ الجواب باختصار يكمن في تأثير الإباحية في الدماغ.

 

كثير من باحثين العقل يعتقدون بعد تقلص عدد مستقبلات الدوبامين جراء مشاهدة الإباحية يذهب المشاهد إلى مشاهد أكثر شذوذاً أو مشاهدة أطول من أجل الحصول على نفس النشوة الجنسية التي كان يحصل عليها في السابق. ونستطيع القول بأنه ليست فقط الإثارة الجنسية هي المسؤولة عن تدفق الدوبامين بل حتى مشاهدة المشاهد الخيالية سواء كانت مفاجئة أو صادمة. وذلك يفسر لماذا بعد فترة من الإدمان يجد المدمن نفسه يشاهد مقاطع إباحية شاذة تتسم بالعنف ضد المرأة ومقاطع كان يتقزز منها في السابق بل كان يقف ضد تلك الأفكار واليوم أصبح ممن أدمن على رؤيتها.

 

الإباحية لها من التأثير السام على المجتمع إذ تعيد تشكيل الرغبة الجنسية أو المثيرات الجنسية من طبيعي إلى شاذ. تجعل الشخص يرى من الآخرين مجرد أجساد يتحكم بها وأن يتقبلوا سلوكيات لم يكونوا ليقبلوا بها. الإباحية تعلم المشاهدين أن العنف يمكن أن يكون مثيرا جنسيا ويروج باستمرار لفكرة أن كلمة “لا” يمكن أن تعني “ربما” أو ” حاول أن تقنعني أكثر”. من الممكن أن نتحكم في مصانع الإباحية ولكن ان لم نعالج مشكلة الطلب المتزايد على الإباحية في مجتمعاتنا فلن نتمكن من علاج أصل المشكلة.  

لماذا يعد هذا الأمر مهماُ

 

مصانع الإباحية فاسدة ونظامها بالكامل مبني على الاستغلال الجنسي للمتاجرة به أياً كان نوعه من الطبيعي إلى الشاذ، وتمارس الخداع على من يشاهد تلك الأفلام وتغير مفاهيمهم من سوية إلى شاذة وتعامل الممثلات بشكل سيء. وان كنا نريد إصلاح تلك المشكلة من خلال وضع أنظمة على مصانع الأفلام فسنصبح كالذي لديه سيارة لا تعمل فقام بصبغ السيارة أملاً في أن يعمل المحرك، ولن يعمل أبدا طبعا

 

الإباحية مضرة جدا، تخدع باستمرار مشاهديها، تصور لهم العنف الجنسي أمرا عاديا، وتضخ لهم أفكارا شاذة ومنحرفة أكثر. وعلاوة على ذلك ففي هذا الوقت من الممكن للأفراد أن يساهموا في إنتاج الإباحية من خلال تصوير المقاطع وبيعها لمواقع الإباحية من دون الحاجة إلى كاميرات احترافية وطاقم تصوير مادام المقطع سيدر عليهم مالاً. وعندما تزيد المشاهدات للإباحية وربحها فإن ذلك يفتح الباب على مصراعيه لزيادة ضخ تلك المواد الشاذة في السوق. والحل الوحيد لتلك المشكلة هو عن طريق تثقيف الشعوب تجاه الأضرار الكارثية لمشاهدة الإباحية وبذلك يتم تقليص حجم الطلب عليها.

 

المقال الأصلي

 


ترجمة: بويعقوب

مراجعة: عمر بوشلاغم